عام

الدائرة الجهنمية المغلقة

By مايو 19, 2019 No Comments

كمال غبريال

كنت دوماً أركز على القاعدة، كمنتِج لكل ما هو على القمة‎.‎
أن الأحرار قبل الحرية. . الديموقراطيون قبل الديموقراطية.‏
وأنه إن كان لابد من الهتاف فلنهتف:‏
يسقط جهل الشعب. تسقط خرافات الشعب. يسقط استنطاع وتواكل الشعب
وأنه لا بأس من تحميل “الحكام” كل بلاوينا، مع الأخذ في الاعتبار أن “الحكام” قائمة طويلة تمتد من القمة للقاعدة‎.
بداية من رئيس الجمهورية، حتى ملاحظ فريق من عمال النظافة.‏
لا تستطيع أن تقيم برجاً فوق مستنقع، ما لم تجففه وتضع فيه أساسات جيدة. . كذلك نظم الحكم الديموقراطية.‏
فالفرق بين أنظمة وحكام دول العالم، هو الفرق بين شعوبهم‎.‎
كنت مصمماً على حتمية تحسين التربة ونوعية المزروعات، لنحصل على ثمار مختلفة. . العكس مستحيل.‏
قبل 25 يناير 2011 كانت كل كتاباتي تركز على حالة الشعب المزرية، التي لا ينتج عنها غير الفساد والاستبداد ‏المجتمعي والسياسي‎.‎
مع أولى أيام الثورة أخذني الحماس، وقلت لنفسي ولأصدقائي أن الشعب بهتافه “عيش. حرية. كرامة إنسانية‎”‎، قد أثبت ‏أن كل ما سبق وكتبته محض كلام فارغ، وها هو الشعب الذي ازدريته يهتف للحرية‎.‎
هتفت معهم بملء حنجرتي وقلبي وعقلي: “عيش. حرية. كرامة إنسانية‎”‎
ثم كان ما كان‎. .‎
بالطبع في غمرة حماسي للثورة، لم تغب عني لحظة المحاذير التي وقعت البلاد بعد ذلك فيها، وصرخت محذراً بها ‏طوال الوقت، بقدر ما يستطيع صوتي أن يصل‎.‎
لم تغب عن عيني لحظة أنياب ذئاب الإخوان المسلمين والسلفيين، ولا حوافر اليسارجية والناصرجية والفوضوية‎.‎‏ فهؤلاء ‏سرطان متغلغل في العمود في الفقري للأمة المصرية، يجعله يعيش محنياً منكفئ الوجه.‏
الآن يستنكر علي البعض أن أتعلم ويتعلم معي المصريون من تجربتنا الأليمة، التي خربت الدنيا من حولنا‎.‎‏ ويتوقون ‏محاولين الدفع لنفس تجربة الثورة، بذات القاعدة والمقدمات التي أدت بثورة 25 يناير إلى ما أدت إليه.‏
لم ولن أكون مناصراً للاستبداد‎.‎‏ . الاستبداد لا يمكن مهما ادعى أو حاول استنارة أن يكون هو الحل‎.‎
من يتهمونني بمناصرة الاستبداد، حين أحمل الشعب مسئولية بؤسه، أتهمهم أنا بالسعي لفرض رؤى لا يفهمها ولا ‏يريدها الشعب، الغير مؤهل لقبولها. . وهذا قمة الاستبداد.‏
ما الحل إذن؟
كيف نكسر تلك الدائرة الجهنمية المغلقة:‏
قاعدة شعبية فاسدة،
تنتج فساداً عند القمة،
ليضخم فساد القمة من فساد القاعدة ويزيده انتشاراً وتفاقماً‎.‎
التغيير الحقيقي لا يتحقق فجأة بثورة أو ببضعة قرارات. تتغير الشعوب بالزحف بالغ البطء للأمام حضارياً، فيما شعبنا ‏ينزلق بسرعة للهاوية.‏
لا أعرف حلاً‎. .‎
ليس لدي وصفة سحرية “تحيل ماء الفسيخ إلى شربات”‏‎.‎
أعرف فقط أن أرفع راية التنوير والحداثة بقدر ما أستطيع‎.‎
أن أصرخ في وادي التخلف والظلامية والخرافة ، بفكر الحرية والعلم والعقلانية‎.‎‏ . بقدر ما يمكن لصوتي أن يصل.‏
هذا أقصى ما أستطيع‎.‎

 

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: