عام

الطريق للمشترك الإنساني

By مايو 20, 2019 No Comments

كمال غبريال

هناك باحث واحد عن الحقيقة، مقابل كل عدة آلاف من الساعين لإثبات أن ما يعتنقون هو الحقيقة. الأمر ليس رفاهية ثقافية، فبدون وضع الحقائق في كل مجال كبر أو صغر نصب أعيننا، لن نتمكن من توجيه مقدرات حياتنا.
المنطق العقلي والشواهد المادية هي ما يجمع البشر. والخلافات حولها مهما كانت شدتها، هناك طريق بالحوار يصل بنا إلى حل لها.
الإيمانيات تفرقنا، كل وفق ما ورث أو ما ارتاح إليه في تجربته الإيمانية الخاصة، التي لا تعني ولا تُلزم أحداً سواه. لذا نجد الحوار بالإيمانيات كالتراشق بالأحجار صدام محض، يستهدف فيه كل طرف تحطيم ما بيد الآخر من مقولات، أو بالأحرى من حصوات يستخدمها في التراشق. فما يبدو لي إيمانياً هو الحق المطلق، قد يبدو لغيري محض خرافات وهلاوس.
الحديث عن حوار الأديان مثلاً محض عبث. فالسعي لتوحد البشر حول قاسم مشترك، ينبغي أن يتأسس على ما يجمعهم لا ما يفرقهم. . على المنطق العقلي والشواهد المادية. وليحتفظ الإنسان بإيمانياته لنفسه.
لا نستهدف إذن وحدة البشر فكرياً، بل يجب أن نتواضع في طموحنا التوحيدي إلى حده الأدنى، وهو مجرد توحدهم على قواسم عقلانية وحياتية مشتركة، كافية للتعايش والتعاون والتكامل.
هناك فرق بين طموحات “الوحدة” ومحاولات “التوحد”.
“الوحدة”:
لا تنفك دعوات “الوحدة” تتردد في كافة أنحاء عالمنا، باعتبارها الحالة المثلي للشعوب والمجتمعات والأديان والطوائف. نسمع عن الوحدة العربية والوحدة الأوروبية ووحدة الأمة الإسلامية ووحدة الكنائس العالمية، بل وسمعنا عن الوحدة الأفريقية من القذافي الذي لقب نفسه ملك ملوك أفريقيا.
تبدو “الوحدة” في أذهاننا حالة مثالية طوباوية، تعوقنا عن التوصل إليها حماقاتنا وشرور أنفسنا. الحقيقة غير بل وعكس هذا تماماً. فالسعي “للوحدة” حماقة مضادة لطبيعة البشر والوجود القائم بالأساس على التنوع. جغرافية كوكبنا تضاريس ومناخاً وباطن أرض متنوعة. والكائنات على ظهر كوكبنا من نباتات وحيوانات وخلافة فائقة ومذهلة التنوع. “الوحدة” توجه مضاد لسنة هذا الوجود المتنوع.
“التوحد”:
هو اتفاق المكونات التي يجمع بينها مشتركات على توجهات وأهداف محددة مشتركة،
لا تقل أو تزيد عما تشترك فيه وفق طبيعتها وخصوصيتها. سنأخذ هنا مثالاً واحداً،
لأفضل محاولات “الوحدة” رقياً وتحضراً، متغاضين عن محاولات فادحة الفشل، مثل الوحدة العربية والأمة الإسلامية والكنائس المسيحية وما شابه.
الاتحاد الأوروبي الذي اعتبرناه نموذجاً “للوحدة” والتحضر الإنساني، نراه بسبيله للتصدع الآن. ليس بسبب شرور أو شيطانية من يخرجون عليه. لكن لأن الأوروبيين سعوا “للوحدة” قفزاً على واقع وقانون التنوع الطبيعي. ولم تتواضع أحلامهم الطوباوية لمستوى “التوحد” على أهداف محددة وفق حجم ونوعية المشتركات الواقعية بين كياناتهم.
مسيرة الحضارة ليست عشوائية. هي تتغير وتتطور، وتتخلص في مسيرتها مما لم يعد صالحاً، وتطيح بما ثبت فشله، ولا يتبقى له أثر إلا لدى العاجزين عن تصحيح مسارهم، ومن يستعصون على التطور.

 

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: