عام

سفر التكوين

By يونيو 17, 2019 No Comments

كمال غبريال

‏”العقل المحض” من أسوأ ما توهم الإنسان، متصوراً له وجوداً مستقلاً عن المادة. لا يوجد في الواقع سوى ‏‏”الوعي الإنساني”، الذي نتج عن تطور المخ والجهاز العصبي لدي الإنسان، والذي مكنه من الوعي بالمادة ‏وعلاقاتها. عقل وعلم الإنسان لا يبتكر شيئاً من العدم، فقط يكتشف أسرار المادة ويوظف علاقاتها. الحيوية ‏كما الوعي المسمى عقل من تجليات ونتائج العلاقات المعقدة بين جزيئيات مادية. إذا أردت معرفة سر ‏الحياة في كوكبنا، فعليك البحث حول ذرة الكربون، التي كونت بإمكانيات تفاعلاتها الكيماوية بالغة التعدد ‏مع عناصر أخرى كل ما نعرفه من كائنات حية.‏
العلم لا ينفي عالم الروح، لكنه يجيب على الأسئلة عن الكون والحياة إجابة مادية محضة. ‏
أصل الوجود طاقة سوداء تكثفت مادة سوداء بسيطة ومتجانسة، بعد صراع عدمي بين المادة ومضادها، ‏تبقى منه جزيئات من المادة شكلت بالانفجار الكبير الامتداد الزمكاني، ثم أخذت في التعقد عبر التركيب ‏والتفاعل، تلاه تكوين منظومات مادية، أنتجت الكون ثم الحياة. الامتداد الزمكاني للكون هو وليد تأثير ‏المادة. بدون مادة لا مكان ولا زمان. مصير الكون والحياة مرتهن بإمكانيات المادة وتفاعلاتها ومآلها ماضياً ‏وحاضراً ومستقبلاً.‏
نظرية الانتظام الذاتي ‏auto- organization ‎‏ ‏or‏ ‏self- organization‏ اكتشفت قدرة في المادة ‏الخام، تتيح لها في ظروف خاصة تكوين تشكيلات منتظمة دون منظم أو مؤثر خارجي. . هي نظرية ‏علمية مثبتة بالتجارب الفيزيائية والبيولوجية. هذه النظرية فسرت كيف استطاعت المادة الخام في بداية ‏الكون أن تشكل ما نرصده من انتظام، وما نشهده من تنوع هائل للكائنات الحية، دون تدخل خارجي ‏لتصميم هذه التشكيلات.‏
‏”الطاقة لا تفني ولا تخلق من العدم” قانون طبيعي يحكم الطاقة الموجودة بالكون، لكن في عام 1948 أجرى ‏الفيزيائي الهولندي “هيرمان كازيمير” تجربة معملية، أثبت فيها أن “حدوث تحدب في مجال في الفراغ” يؤدي ‏إلى “خلق طاقة من العدم”. هذا هو الرأي العلمي الآن فيما حدث في لحظة بداية الوجود، التي هي حدوث ‏التحدب وليس لحظة الانفجار الكبير. فالطاقة المتولدة عن التحدب أنتجت كميات هائلة متساوية العدد من ‏المادة واللامادة، دخلت في صراع تفني بعضها بعضاً، ترتب عليه لسبب مجهول بقاء كميات من المادة، هي ‏التي صنعت الانفجار الكبير.‏
‏”التحدب الكوني” الذي أدي لخلق الطاقة التي شكلت الكون، هو “تحدب زمكاني”، مثيل لما يحدثه مغناطيس ‏صغير يجذب إبرة، أو مثل التحدب الذي تصنعه الشمس لتجبر الأرض على الدوران حولها، أو تصنعه ‏الأرض لتأسر القمر. فليس صحيحاً ما ذهب إليه نيوتن من وجود قوة جاذبة تتسبب فيها الكتل فتجذب ‏بعضها بعضاً. . اتضح أن هذه القوة خرافة، وأن ما تحدثه الكتل الضخمة هو تشكيل “الزمكان” حولها، بما ‏يجبر الكتلة الأصغر على اتخاذ مسار لها حول الكتلة الأكبر، أو الانجذاب إليها والسقوط فيها أو عليها.‏
لتقريب هذا للذهن تخيل أنك في ليلة حالكة الظلمة تقف أمام جبل لا تراه عيناك، ورأيت بقعة ضوء تدور ‏صاعدة إلى أعلى في الفراغ. سوف تتصور أن هناك قوة تدفع بقعة الضوء في مسارها الدائري الصاعد هذا. ‏رغم أن الحقيقة أن هناك طريقاً ممهداً في الجبل، هو الذي يلزم سيارة منيرة تحاول صعود الجبل بمسارها ‏هذا. التحدب الناتج عن الكتل الضخمة يشكل الزمكان، فيجبر أي جسم في نطاق مجاله على الحركة في ‏مسار محدد.‏
الاتساع الكوني أو “الوجود الزمكاني” ليس خلاء واتساعاً حراً كما قد نتصور. إذ يحتوي على تحدبات ‏تحدثها الكتل السابحة به، أشبه بالتضاريس في صحراء عامرة بالجبال والهضاب والوديان والسهول. لا ‏نتحدث هنا عن المكان فقط بأبعاده الثلاثة، بل وأيضاً الزمان كبعد رابع. هذا بالطبع بخلاف أبعاد أخرى ‏مفترضة، مازالت قيد البحث والدرس.‏
كان الإنسان قديماً يتصور المكان ممتداً بلا نهاية في الاتجاهات الأربعة، ويتصور الزمان تياراً دائم السريان ‏بلا بداية ولا نهاية. مع تقدم معرفة الإنسان وخبراته اليومية استطاع إدراك محدودية المكان. لكن خبرة ‏الإنسان اليومية تجعله عاجزاً عن استيعاب حقيقة ما اكتشفه العلماء وأثبتوه رياضياً ثم عملياً بالتجربة من ‏نسبية الزمان وارتباطه بالمكان. المكان أيضاً سواء كان ممتلئاً بالمادة أو خالياً منها ليس أزلياً ودائماً. لقد ‏تشكل الزمان والمكان مرتبطين (الزمكان) في لحظة لا يوجد ما قبلها. قبل تلك اللحظة لم يكن هناك مكان ‏خال، ولا زمان بلا أحداث.‏
يتسبب قانون العِلِّية أو السببية في حيرة واختلاط الرؤى عند كثيرين، إذا ما تصوروا أنه أنه أزلي قبل بداية ‏الكون. سؤال “ماذا قبل” الوجود المادي سؤال مضلل، لأنه لم يكن هناك قبل. وسؤال “السببية” أيضاً سؤال ‏خطأ، لأن قانون “السببية” بدأ مع وجود الزمن، حيث تكون “العلة” سابقة على “المعلول”. كما أن قانون ‏‏”السببية” قانون مادي، يصف ترتيب الأحداث والعلاقات بين المواد، ومن ثم لا يجب التساؤل عنه في حالة ‏انعدام الأحداث والمواد.‏
لن تحصل أبداً من سؤال خطأ على إجابة صحيحة. . الإيغال في البحث عن سبب أول يسبق حالة وجود ‏المادة بعلاقاتها ومن بينها العلاقة السببية خطأ منطقي وفيزيائي. أنت هنا تسأل عن أمر في حالة انعدام ‏وجوده. قانون السببية لم ينتج المادة، لأن المادة هي التي أنتجته. لا ينتج اللاحق السابق. هو مجرد واحد ‏من علاقات المادة، ولا وجود له بمعزل عنها. ‏
الصدفة والطفرات العشوائية لها نصيب كبير في الحياة الإنسانية، وفي بناء الكون فيزيائياً وبيولوجيا. كما ‏أن قانون السببية محدود بالعلاقات المرتبطة والمتتالية زمنياً، فاقتران حادثتين متزامنتين لا يخضع بالضرورة ‏لقانون السببية، بأن تكون إحداهما سبباً للأخرى. لذا فالذهاب بقانون السببية إلى بداية نشأة الكون خطأ ‏علمي ومنطقي، إذ تعني البداية انعدام الزمان والمكان “قبلها”. حتى كلمة “قبلها” هنا من الخطأ استخدامها أو ‏تصورها، فلا يوجد “ما قبل” البداية الأولى لنشأة الكون، وبالتالي لا يجوز أن نسأل عن “عِلَّة” ولا “سبب أول” ‏للحظة البداية، لعدم وجود ما يسبقها. من الصعب تمثل هذه الحقيقة العلمية وتخيلها، على من تعودوا على ‏سيادة قانون السببية في حياتهم اليومية.‏
الكون الذي نحيا كجزء منه هو كون فيزيائي، اكتسبت بعض عناصره صفات بيولوجية، ويقع كله في نطاق ‏قدرات العقل الإنساني وما ينتجه من علم يتقدم باطراد. ولقد تطور العقل الإنساني وجهازه العصبي وتركيبه ‏البيولوجي، ليكتسب صفات واحتياجات فائقة متجاوزة للفيزيقا، أسميناها “احتياجات روحية”، وهي غير ‏المعتقدات الدوجماطيقية الموروثة. هذه “الاحتياجات الروحية” يذهب بها البعض لما يمكن تسميته “قفزة ‏إيمانية”، يقدم عليها من يشاء متجاوزاً دائرة العقل والفيزيقا، إلى ما نسميه ميتافيزيقا. يظل لهذه الدائرة ‏الميتافيزيقية احترامها واعتبارها، ما لم تتسلل إليها مقولات تخص عالمنا الفيزيقي، تكون متعارضة مع قوانين ‏هذا العالم وعلاقاته.‏
‏”الكمال” تصور إنساني لا وجود له في الطبيعة والكون. فعالمنا بدأ بالبساطة وأخذ في التعقد عبر مسار ‏عشوائي، يُسقط بعضاً من التجارب الفاشلة ويستبقي بعضاً. “النقص” هو سمة الوجود وقوته المحركة نحو ‏‏”الأفضل” في غياب للغائية. افتراض “الكمال” مجرد أمنية لن تتحقق أبد الدهر. فالعشوائية في الكون هي ‏القاعدة، والانتظام هو الاستثناء الذي تفرضه المادة بقدراتها، التي يحاول الإنسان توظيفها لتعظيم الانتظام ‏في حياته، وفي المحيط الحيوي الذي يحيا فيه.‏
مازال العلم غير قادر على توفير إجابة واضحة قاطعة لكل تساؤلات الإنسان الوجودية والكونية، وهناك من ‏يلتزم بالعلم محاولاً استكمال الإجابات الغامضة والمجهولة، وآخرون يقدمون على الانتحار العقلي، والقفز إلى ‏إجابات موروثة من أزمنة الجهل المطبق. كما أن النظريات العلمية عموماً وما يتعلق منها بنشأة الكون ‏خصوصاً تتعرض طول الوقت للنقد والتعديل وحتى للتكذيب الكامل، لكن من يقوم بهذه المهمة هم علماء ‏يصيغون التعديلات، ويضعون نظريات جديدة أكثر دقة وقدرة على تفسير عدد أكبر من الظواهر، وعلى ‏إجابة المزيد من التساؤلات. وليس بالطبع دهاقنة الموروث من أزمنة الجهل الغابرة. ‏
الكون الآن يتمدد، تتباعد الأجرام عن بعضها، فيتمدد معها الزمكان. هناك من يتوقع نهاية للتمدد، يعقبها ‏مرحلة انكماش، تبتلع فيها المادة والطاقة السوداء الكون، لنعود إلى نقطة البداية. إن صح هذا فربما يتشكل ‏كون جديد، وربما كوننا الحالي مجرد حلقة من حلقات التشكل والفناء.‏

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: