عام

كمال غبريال : سويعات مع ثقافة التخلف

By يونيو 28, 2019 No Comments

“النذالة” هي الوصف المناسب لأي دفاع عن “يهوه”، الإله الذئب للعهد القديم. بالطبع لم يكن يهوه إلها ذئبا، كما لم يصبح فجأة إلها محبا. فهو الإنسان في مسيرته الطويلة من التخلف للحضارة، ينسب قيمه للآلهة. الفرق بين إلهي العهد القديم والجديد هو الفرق بين شخصيتي يشوع بن بنون وبولس. فارق تحضر بشر يقيمون نصبا متخيلة لآلهة.
ربما عقلية الإنسان القبطي تفتقد للقدرة على التجريد، الذي يمكنه من التعلق بإله متعال في السماء،فكان الهبوط بالمعبود للعالم المادي الأرضي، حيث القديسين ورفاتهم وأيقوناتهم.
بل وكان استحضار الإله المتعال ذاته عبر طقوس الكنيسة، فيستحيل الخبز والخمر إلى جسد ودم الإله، ليتمكن المؤمن من أكله وشربه. لكن يحق لنا أن نتساءل، إن كانت هذه بالفعل هي حدود قدرات العقل المصري التي يصعب عليه تجاوزها، أم هي الحدود التي شاءت له الكنيسة لأسباب يعلمها قادتها أن تبقيه أسيرا لها؟
الظاهرة القبطية
يفترض أن الجموع الجاهلة مدمنة الخرافة، يتخرج منها مع الوقت من يحصلون على قدر من التعليم، يترفعون به على الخرافة ويهجرونها، لتتقلص تدريجيا مساحتها في الحيز الضيق لأشد الطبقات تخلفا. هذه الديناميكية لا تكاد تحدث في المجتمع القبطي إلا في حدود بالغة الضيق، إذ يبقى الجميع جاهلا وأستاذا في الجامعة، أسير تعاليم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، القائمة بالأساس على كومة تتعاظم مع الوقت من الخرافات والخزعبلات. من هنا قوة الكنيسة،
التي تبدو بالفعل كصخرة لا يقوى عليها زمن أو تنوير.
ما نشاهده من عموم الأقباط من تعاطف مع أبيهم الراهب الذي قتل سيدهم الأسقف، هو نتيجة طبيعية لنشأتهم الكنسية الأرثوذكسية.
فلم يتعلموا تقديس مبادئ دينية أو إنسانية،
حتى العطف على الفقراء لم يأخذوه كوجه إنساني، وإنما باعتبارهم أخوة الرب. ما تعلموه ومارسوه يقينا منذ الطفولة هو تقديس أصحاب القداسة، الذين يحولون الخبز والخمر لجسد ودم الرب. ويبخرون أمام الأيقونات فتصبح مباركة تنضح بزيت مبروك. يوزعون على المؤمنين قبل مغادرة الكنيسة فتافيت خبز لقمة بركة، ويرشون وجوههم بماء البركة.
هم أيضا بسلطان أعطي لهم من الرب يحلونهم من رباطات خطاياهم.
تقديس أصحاب القداسة الذين بيدهم الحل والربط على الأرض وفي السماء هو عماد حياة الأقباط الدينية والأدبية، وأي شرخ في هذا العماد يسدد لحياتهم وهويتهم ضربة قاتلة.
إنهم يتعاطفون الآن مع أبيهم القاتل، خوفا على حياتهم هم من زلزال مدمر. حديثهم عن توبة القاتل وقبوله بالملكوت مقصود به إخبار الحزانى والشامتين، أن العقيدة والمنظومة القبطية بخير، وأنها تتسع لمثل هذه الحوادث العارضة وتعالجها، بدليل أن أحد تلاميذ المسيح كان خائنا. وأنها حروب الشيطان على الكنيسة، وليست فشلا وفسادا داخليا فيها، وأن لا قداسة اهتزت، ولا هيكلا تصدع. هي محاولات مستميتة لترميم الصدع في قداسة العمم والجلاليب السوداء. تدارك افتضاح زيف طقوسهم ووضع يدهم ومسح زيوتهم. محاولة مستميتة لذر الغبار في العيون التي أيقظتها الجريمة.
ثقافة المحاسبة
نعرف مفهوم القصاص أو الانتقام، والذي هو من حق المجني عليه أو وليه،يطالب به أو يتنازل عنه. مفهوم “المحاسبة” أمر آخر تختص به المجتمعات الحديثة. بموجبه يحاسب المجتمع أفراده، الذين ينتهكون القوانين الموضوعة لضبط المجتمع. لا مجال هنا لحديث عن عفو أو مغفرة أو رحمة أو توبة، فهذه كلها مفردات تخص الأفراد ورؤاهم الشخصية والدينية، ومنقطعة الصلة بالمجتمعات الحديثة،
وبالثقافة التي ينبغي أن يتحلى بها أعضاؤها. غياب ثقافة المحاسبة يؤدي إلى بقائنا في حالة متدنية حضاريا، وإلى سهولة تفشي الفساد السياسي والمالي والإداري والديني وخلافه.

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: