عام

كمال غبريال : إخناتون وتوهم التوحيد

By يوليو 4, 2019 No Comments

نحن نقرأ قصة إخناتون على هوانا، ووفق رؤانا الحالية‎.‎‏ فنصوره كأول داعية توحيد للإله السماوي الذي تحدث عنه الفكر ‏الديني المعاصر باختلاف أسماء عقائده. الحقيقة التاريخية تقول أن العبادات المصرية القديمة بصورة عامة كانت تدور ‏حول إله مركزي للعاصمة، بجوار عدد كبير من آلهة أقاليم، يناظرها الآن الأولياء والقديسون في مختلف الربوع‎.‎‏ والتي ‏غالباً ما يُسند إليها بعض الصفات أو القدرات المنسوبة لإله العاصمة المركزي. ولم يكن “آتون” إلهاً جديداً جاء به ‏إخناتون، فقد كان واحداً من آلهة مصر، وهو أيضاً ذات الإله الشمس “رع”، الذي اقترن اسمه بالإله المركزي “آمون‎”‎‏.‏
جاء إخناتون متأثراً بثقافة أمه الأسيوية الأصل الملكة “تي‎”‎، بحالة هوس وتعصب ديني غريبة عن الثقافة المصرية ‏المنفتحة للتعدد، ليقرر تحريم عبادة أي إله سوى إلهه “آتون”. وارتكب ما ارتكب من أعمال عنف وإقصاء، تسببت في ‏انهيار الإمبراطورية المصرية‎.‎‏ إلى أن انتصرت عليه الروح المصرية المتسامحة “زراعية الثقافة”.‏
هناك فارق كبير في المفهوم، بين الحديث عن “إله واحد لا شريك” له. وبين إله من بين آلهة أخرى، يقرر أتباعه إجبار ‏باقي الناس على هجر آلهتهم وإتباعه.‏
نفس هذا ينطبق على “يهوه” إله القبائل العبرانية، الذي لم يتخذ صفة “الإله الواحد” إلا في مرحلة زمانية متأخرة، وكان ‏في الأصل واحداً من آلهة المنطقة العديدة في ذاك الزمن، ثم صار إلهاً خاصاً لشعب خاص هو القبائل العبرانية، وكان ‏‏”غيوراً” على “شعبه إسرائيل”، ويهيج هياجه إذا ما تعبد أحد من شعبه لآلهة أخرى‎.‎‏ لكن سائر الشعوب الأخرى غير ‏‏”شعب إسرائيل” لم يعتبر “يهوه” نفسه إلهاً لهم، ولا هم شعباً له. بل لهم آلهتهم الخاصة، يعبدونها كيفما شاءوا.‏
يتضح هنا تميز “يهوه” عن “آتون” بأن “يهوه” اقتصر طموح هيمنته على القبائل العبرانية التي اختارها (أو اختارته) ‏لتكون له شعباً. محدداً القتل جزاء من يذهب منهم وراء “آلهة أخرى”. لكنه لا يدفع المؤمنين به، بل ولا يقبل ضم أفراد ‏لعبادته من بين جماعات أخرى غير “شعبه المختار”. بينما حاول “إله إخناتون” استئصال عبادات الآلهة الأخرى، ‏والانفراد بالعبادة دون سائر مجمع الآلهة.‏
الأمر في الحالة الثانية أشبه بما يحدث في المجال السياسي، بالتحول من حكم “أوليجاركية مستبدة”، إلى حكم ديكتاتور ‏فرد طاغية.‏
العقلية البدوية لا تعرف التسامح ولا تحتاجه‎.‎‏ مادامت ثروة البدوي من أنعام وخيام قابلة للتحرك معه، بعيداً عن الآخر‎.‎
فيما العقلية الزراعية مشكلة على أساس التسامح والتعددية‎.‎‏ لأن الثروة العقارية الثابتة من الحقول والبيوت، تضطر ‏صاحبها لقبول الآخر والتعايش معه‎.‎
نجد الخيانة أيضاً من معالم الشخصية البدوية، فيما تندر في شخصية المزارع. ذلك أن البدوي المترحل يسهل عليه ‏النجاة والهرب بفعلته. فيما تظل الخيانة وصمة عار في جبين وتاريخ المزارع المستقر بجوار من خانه.‏

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: