عام

هبه حسن : ناقصات عقل ودين – (الرابعة)… فإن معها الذي معها!

By يوليو 4, 2019 No Comments

جاء في سنن الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرجل يرى المرأة تعجبه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الأعلى حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج وقال أن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة أعجبته فليأت أهله فإن معها الذي معها، حديث صحيح ورد أيضاً في سنن أبي داود في باب النكاح. 

موقفي المبدئي من قضايا المرأة هو موقف إنساني اجتماعي حقوقي يستند إلى حقائق العلم ومباديء الأخلاق وما اتفقت على تبنيه المجتمعات الأكثر منّا تمديناً، وعلى ذلك فإن عنعنات وأسانيد وصحة أو حسن الأحاديث التي تخص المرأة في السيرة لا تهمني بقدر ما يهمني المعنى المباشر (وكذا الضمني) وأيضاً وقعها المجتمعي الذي قد يجد تعبيره في الطرائق التي يتعامل بها الرجال مع النساء وفي الرسائل الواضحة والضمنية التي يتم تداولها في المجتمع بشأن المرأة اعتماداً على هكذا نصوص. ومن هنا يأتي رفضي لهذا الحديث الذي ليس فقط يختزل المرأة في عضو جنسي، ولكنه يلبس هذه الصورة السلبية المهينة لإنسانية المرأة قداسة الدين. وحتى لو قبلنا بالتفسير الذكوري والذي سينظر فقط في حقيقة أن الحديث يدعو الرجل لتجنب الزنا والعلاقات غير الشرعية درءًا للمفسدة (وذلك عن طريق إتيان أهله) فإنه حقيقة يحتقر فاعلية المرأة كشريك جنسي (تأتي أهلها هي أيضاً)، فضلاً عن اختزالها في مجرد عضو هو موجود لدى كل النساء (فإن عندها الذي عندها!!!)

الأمر المثير للدهشة أن دعاة الأخلاق غالباً ما يتناسون أن الإحصاءات توضح أن أكثر الدول التي تتعرض فيها النساء والفتيات للإنتهاكات والاعتداءات الجسدية وحتى الاغتصاب هي دول إسلامية وعربية (بقيادة أفغانستان تليها مصر حسب إحصاءات دولية في أواخر عام 2013). الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن هذه الدول لا تتبنى أية برامج من شأنها حماية النساء بها على المستوى الحكومي، بل على العكس تعلو فيها الصرخات المناهضة للمرأة وتستعر فيها الأصوات التي تتهم الفتيات بالخلاعة والنساء بالانفلات على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد الحكومية وشبه الحكومية، يتوسل الجميع خلالها بالنصوص الدينية التي تحقّر من شأن المرأة وتأمرها بالحجاب والنقاب والتزام البيت والأدب والحدود المرسومة، معززين بكتيبة الدعاة والشيوخ الذين يحقرون من شأنها بدون مواربة (برجاء متابعة د. مبروك عطية على اليوتيوب كمثال معبّر)… إن دورة سريعة على وسائل الإعلام ستكشف أيضاً أن لا صوت يخطّيء الجناة (من الذكور) ولعل البعض يتذكر الفاجعة التي حدثت في القاهرة في نهاية شهر ديسمبر الماضي حين قفزت فتاة شابة إلى نهر النيل هرباً من ملاحقة شابين لها كانا يحاولان لمس ثدييها وعندما اعترضت هدداها بإلقاء “ماء النار” على وجهها… فزعاً هربت الفتاة وألقت بنفسها إلى المياه وغرقت في مشهد تداوله رواد فضاء شبكات التواصل الاجتماعي وقت حدوثه مباشرة… السؤال الآن: من يتذكر مالذي حدث للجناة؟ لا أحد! لأن شيئاً لم يحدث لهما، حيث هربا من المشهد… الأقسى أن المجتمع انشغل بعد هذا الحادث الأليم بانتقاد الفتاة المنتحرة (التي كانت محجبة مثلها مثل الغالبية من الفتيات والسيدات المسلمات في مصر) لأن ملابسها (بنطال وقميص قطني) كانت مثيرة مستفزة للشباب… 

إن الذهنية التي تخلقها وتغذيها مثل هذه الأحاديث هي ما يجعل الذكور متسلطين قامعين للإناث سواءً كن أخوات أو بنات أو زوجات أو حتى أمهات. مثلما أيضاً ما تلون هذه الذهنية نظرة الذكور زملاء العمل والدراسة لزميلاتهن… حري بي أن أوضح أنني لا أحقر من شأن التجاذب الجنسي والرغبة في التقارب، بل على العكس أنا أطمح لأن يكون هذا التقارب والتجاذب في إطار صحي يتمتع فيه الجميع أولاً بالاحترام الواجب لأنفسهم وعقولهم وأجسادهم: أولاداً وبناتاً، شباباً وشابات، رجالاً ونساءً، ثم لينسحب هذا الاحترام من الفرد لشخصه ونفسه وجسده وعقله إلى علاقاته مع الآخرين… إن الدور الأكبر في هذا الأمر (والعبء إذا أردتم) هو منوط بالنساء، فنحن من نحمل الأطفال ومن نربيهم، والعبء الأكثر إرهاقاً هو من نصيب المتنورات المتعلمات صاحبات الأصوات في هذا المجال، فلنساعد بعضنا البعض ولنتضامن مع دعوات النساء جميعها ولنرفض النصوص التي لا تحترم آدميتنا والتي تحتقر عقولنا، ولنضغط باتجاه إصدار قوانين وبرامج مجتمعية تحمي حقوقنا وتجرم الاعتداء علينا ولنتمسك بالقانون ومباديء المساواة الكاملة في الحقوق كما في الواجبات. عندها فقط لن نحتاج لشرطة الأخلاق وعندها فقط سوف تتراجع جرائم التحرش بالفتيات والنساء في الشوارع… 

يتبع!

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: