عام

لا .. إياكم أن توحدوا صفوفكم !

By يوليو 13, 2019 No Comments

أحمد حرقان

عندما يقرر واحد من الناس أن يعطي نفسه فرصة ليفكر في قناعاته الدينية ويفرزها ، وفعلاً ينجح في نهاية المطاف في اكتشف زيف الإيمان، ويدرك أنه طول عمره كان ضحية خديعة بشعة، سُرقت منه سنين طوال في عمر قصير أصلاً !

يكتشف فتتغير حياته بالكامل ! 

برافو .. هذا قرار يستحق التصفيق الحاد والدعم الكامل والمساندة النفسية !

وستبدأ هنا مرحلة جديدة في حياته ..

مرحلة أُسميها : مرحلة الصدمة !

لأن الإنسان ساعتها يحس بصدمة كبيرة في أفكار العمر التي أخلص لها.. في الدين الذي اختلط باللحم والدم والعظام .. اختلط بالعقل ..

ساعتها ممكن أن ينهار تماماً، ممكن يحزن جداً ويكتئب ويفزع من نومه ليلاً يبحث عن الله شخصياً وربما نظر إلى السماء ونادى .. قبل أن يتذكر أنه تغير، وأن حياته الآن خالية من هذه الخرافة البشرية السخيفة.

مصدوم ! ليس فقط لأنه لم يعد ينتظر الجنية التي ضيع من أجلها من وقته وماله ومجهوده..

ولا من أجل الأشياء المهمة التي فاتته بسبب أنه كان محبوساً في صندوق الأفكار الخرافية، والأوامر والنواهي التي تتعلق بكل جوانب حياته، وأكثرها غير منطقي ومعرقل.

ولا من أجل أنها تعرضت للختان ودفعت وستدفع طول عمرها ثمن ذلك الظلم التي كانت تتقبل أيام إيمانها نتائجه وتُصبر نفسها بأنها ستدخل الجنة ويعوضها الله عوض الصابرين ..

ولا لأنه لم يستطع أن يتزوج الفتاة التي عشقها بسبب أنها أصرت على لبس البنطلون وكانت تكشف خصلات من شعرها من تحت الحجاب.

لا ..

بل أيضاً بسبب أن عقله الباطن ما زال عبئاً كبيراً عليه..

عقله الباطن لا يستطيع التخلي عن فكرة الرعاية الإلهية ! تعود على أن الله يراقبه طول الوقت، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياته .. يثيبه عندما يحسن، ويعاقبه عندما يخطئ..

او هكذا كان يظن ..

هذه المرحلة صعبة ..مئات الأسئلة .. شرود بالساعات .. أيام وأسابيع وشهور وحتى سنة واثنتين وتلاتة …

في المرحلة يبحث بشغف عن أي أحد يهون عليه ..

أحدٌ يقول له أن الطريق الذي يسلكه الآن صحيح .. أحدٌ يستمع إليه طويلاً ويصغي لشكواه وهواجسه ..

أحدٌ يسأله يعمل ماذا في ماذا، ولماذا ..

أحدٌ يساعده على كسر قداسة الأشياء والرموز التي ما برح عقله الباطن يقدسها ولو أن وعيه الآن يرى زيف قداستها بوضوح شديد . . عقله الباطن خائف مضطرب جداً .. خائف من الله وعذابه وغضبه العاجل والآجل …حد يساعده انه يكسر قداسة المقدسات الي لسة عقله الباطن خايف من ردة فعل الله ..

أحدٌ يشجعه يسخر ويزدري، يزدريان معاً .. ليساهم في القضاء على تلوث لا وعيه بالخوف والرعب …

وبهذه الشكل يتكون سرب الطيور اللادينية التي تجمعت لتشابه أشكالها، ويكبر السرب ويتسارع تضخمه بسبب أعدد اللادينيين الجدد كل يوم، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي التي شجعت الناس على تبادل المعرفة والخبرات .

حتى الآن كل شيء على ما يرام !

لكن ما المشكلة التي نخشى أن نتورط فيها دونما قصد؟

المشكلة أن يتخضم عند اللادينيين مفهوم ال ” نحن “

ونرى أنفسنا كطائفة جديدة !

طائفة بولائها وبرائها وخطابها المستعلي والمحتقر للناس الذين لا يوافقون على الآراء اللادينية …

واللادينية ليست طائفة .. بالعكس فإن آفة الطائفية هي أول ما ينعم الإنسان بالتخلص منه عندنا يتخلص من الدين وأفكاره الإقصائية المتشنجة.

عندما يبدأ الأصدقاء والتجمعات اللايدينية في التعصب بعضهم للبعض على أساس الفكر، ويقفون سوياً ضد ( أعداء ) اللادينية، ونسمع كلام عن توحيد الصف اللاديني، وتماسك الجبهة اللادينية، وعدم المساس بالرموز اللادنيية نكون قد انزلقنا إلى ردة جزئية نرجع فيها لآفات التخلف والتعصب الذي أساسه العقيدة.

لكن هذا ليس ما أراده الإنسان عندما ترك الدين لأول مرة.. أن يكرر نفس أخطاء الرجعيين الذين يقدسون الأشخاص ويلتفون حول رجال الدين، ويدافعون عن صورتهم التي يجب أن تكون مثلى ومشرقة وجميلة ومعصومة أو تكاد من الخطأ.

الرجعيين الذين يرون لأنفسهم أعداء كثر ويريدون أن تظر صورتهم جميلة طول الوقت، ولو كانت الحقيقة أن هذه الصورة زائفة، وأن الحقيقة أن كثير من الأفراد والرواد يتلبسون بأخطاء فادحة، وأحياناً تستوجب أخذ موقف، وتستوجب العقاب المعنوي والقانوني أحياناً ..

وأرى بعض اللادينيين أيضاً الآن يسلكون نفس المسلك.. لا بد أن لا نلقي الضوء أو ننتقد الأخطاء علناً خصوصاً أخطاء من نراهم ( قامات ) .. من أجل ماذا ؟ من أجل شكلنا ..

و ( نا ) هذه هي المشكلة ..

يجب أن يقول اللاديني لنفسه أنا فرد في المجتمع وصفي الوحيد هو صف الإنسانية ..

أصدقائي أختارهم من كل الناس بناء على المحبة والجيرة والتقبل …أهلي هم أهلي .. لن أستبدلهم مثلاً ! سأحسن من سلوكي معهم، ولن أتدخل في شؤونهم الآن بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سأنصح فقط عندما أجد النصحية واجبة، وأمضي في حال سبيلي، فأنا حر الآن ولن أحاول سلب إنسان حريته .

سألتمس للناس ألف عذر .. لقد كنت غارقاً مثلهم في تقديس الخرافات وكنت تائهاً مثلهم، وقد كان من الممكن أن أظل طول عمري هكذا .. أنا ممتن لأني تغيرت وسعيد جداً، وأنظر بعين الشفقة لا عين الغيظ لمن أظن أنهم تائهون في الظلام …

يقول اللاديني لنفسه : لن أنسى هذا أبداً …

أصدقائي الذين ساعدوني في بداية التغيير المصيري في حياتي سيظلون أصدقائي للأبد .. وسأرد الجميل لهم بأن أساعد الجميع. من كان في مثل حالي.. بل سأساعد الناس جميعاً من خلال المساهمة في زيادة وعيهم بصفة عامة. أصحابي اللادينيبن الذين وقفوا معي في بداية مشواري سأظل ممتن لهم إلى الأبد …

لكنهم هما جزء من المجتمع لا ينفصلون عنه ولن نشكل معاً طائفة جديدة .. يقول اللاديني لنفسه : ولائي هو للإنسان.

خطابي موجه للجميع .. موجه للجميع مش بس اللادينيبن… وأهلي وجيراني هم أول أهدافي عندما أريد نشر رسالتي.

يمكن أن أشكل مع أصدقائي اللادينين مجموعة نتعاون فيها وننتظم في مؤسسة، لكن هذه المؤسسة مثل باقي المؤسسات الخيرية، تظل مؤسسة وليست طائفة.. مثلها مثل تجمع من الشباب اتفقوا على تنظيف الشوارع.

الولاء والبراء موجود في القرآن وعند أصحاب الأديان .. يقول اللاديني : ليس عندي، فولائي للناس جميعاً..

لن أتستر على عيوب اللادينيين من أجل أن تظل صورتهم جميلة ..

لو أن مجموعة من الناس تسترت على أخطاء روادها ومفكريها ستتحول إلى مجموعة من السيئيين، لأنها ستحرم نفسها من الفرز الطبيعي … النتيجة إذن ستكون عكسية تماماً .. أي عكس ما أراده هؤلاء المتسترون.

عندما أسمع عبارة ( وحدة الصف ) يرن في أذني صوت الإمام : استووا … رصوا صفوفكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ..

يقول الإنسان الللاديني : لا بد أن أكون بنفسي قدوة للآخرين، وأنطق بما أراه الحق وأقف من جميع الناس على نفس المسافة، إن أحسنوا أو أساؤوا فهم على نفس المستوى عندما أقيم أفعالهم، بغض النظر عن انتمائهم.

يقول اللاديني : أنا تحررت من كل رواسب التدين .. واستبدلت الأخوّة في الله بالإخوة في الإنسانية.

يقول اللاديني : بل أنا أشعر بأني أخ لكل أشكال الحياة ..

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: