عام

كمال غبريال : سيولة الخير والشر

By يوليو 15, 2019 No Comments

طبيعة الإنسان وحشية، لكنه يتميز بنزوع اجتماعي يهذب من سلوكه وسيكولوجيته. فلم يكن طيباً بالفطرة كما تصور جان ‏جاك روسو. كما لم يعرف الإنسان “الخير والشر” من أكله لثمرة شجرة بتحريض من حية رقطاء. وإنما عرفه بعدما تخطى ‏مرحلة التجوال الحر والالتقاط، وبدأ يكون مع غيره مجتمعات، فكان “الشر” هو السلوك الذي يؤذي الآخرين، و”الخير” ‏هو ما يفيدهم.‏
وهكذا استمر وتوازي تطور المنظومات الأخلاقية ومعايير ومواصفات “الخير” و”الشر” مع تطور الشعوب وحضاراتها. بل ‏ويحدث خلال التطور تبادل بين القطبين المتناقضين مع تغير الظروف وطبيعة المرحلة الحضارية. كما تدخل عناصر ‏جديدة في هذه القائمة أو تلك. فلقد انضم لقائمة الشرور “كسر إشارات المرور”، الذي لم يُعرف قبل تشكل المدن الكبرى ‏التي تجري بشوارعها آلاف السيارات. أيضاً اندرج ضمن “الشر” النشاطات التي تنطلق منها غازات “الكلورو فلورو ‏كربون”، لأنها تتسبب في ثقب الأوزون. كذلك الإسراف في العمليات التي ينطلق منها ثاني أكسيد الكربون، لأنها تؤدي ‏لظاهرة الصوبة الزجاجية التي تهدد الحياة على كوكب الأرض.‏
المقصود أنه لا يمكن تثبيت وحصر مفهومي “الخير” و”الشر” في دوجما مطلقة، تحكم الإنسان والمجتمعات إلى الأبد، ‏كما يتصور غلاة المتدينين. كما أن تحديد محمول المفهومين ليس من اختصاص الكبار العارفين من رجال الدين ‏والتقوى، وإنما الخبراء في سائر العلوم، بما فيهم علماء الاجتماع والنفس وسائر العلوم الإنسانية والطبيعية.‏
قديماً كان يتم تلقين العقائد الدينية لتشد المتلكئين في التحضر للأمام، وتقف سداً “أمام” نزوع المارقين لارتكاب الأخطاء ‏في حق المجتمع. حيث يمنح القالب الديني للمنظومات الأخلاقية التي يحتاج إليها المجتمع قداسة وهيبة. بتطور وتقعد ‏التشكيلات المجتمعية والحضارة الإنسانية مقابل ثبات العقائد، تصبح الدوجما عائقاً لهذا التطور‎.‎‏ وصار موقع العقائد ‏‏”خلف” المسيرة الإنسانية. لتكون بمثابة أحجار تجذب المتدين والمجتمع عامة للخلف، وأغلال تقيد الحركة الحضارية ‏للأمام.‏
وتشهد البشرية اتجاهين للتعامل مع هذه الحالة. أولهما تخفيف القيود التي تفرضها العقائد على حركة الإنسان نحو ‏التحضر، عن طريق ما يعرف بالإصلاح الديني. والثاني الفكاك من هذه الأغلال بصورة مطلقة، عبر تيارات اللادينية ‏والإلحاد.‏

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: