عام

سيّدة الغروب – قصة قصيرة

By أغسطس 4, 2019 No Comments

المشكلة ليست فيّ أنا… لا لا لا… المشكلة فيهم هم، في توقعاتهم، في تصرفاتهم، فيما يقولونه… أنت تفهين أليس كذلك؟ تفهمين، هه؟ عندك مثلاً “حازم” بعد أن ظل يتصل بي كل يوم… كل يوم… كل يوم… لمدة شهرين كاملين ليقول لي أنا اطمئن عليك، على صحتك، على دراستك، على إنك وصلت البيت بالسلامة… الخ الخ الخ… فتح الله عليه واتصل بي الأسبوع الماضي وقال أن لديه كلاماً يود أن يقوله لي. 

أهااااا… تعشمت خيراً… أخيراً سنجلس ونتكلم إنساناً لإنسان… يسألني عن أفكاري ويشاركني أحلامه. لم أكذب خبراً… ارتديت فستاني الأزرق ذو الورود الصغيرة البيضاء… تعرفينه وتحبينه…وصففت شعري عند راجية… الله يخرب بيتها أخذت مني نص مرتبي… ثم تزينت وتعطرت وارتديت حذائي الفضي ذو الكعب العالي وكان علي أن أختلق قصة لماما حتى أبرر الشياكة والشعر الحرير وأزرق العيون وأحمر الشفاه… وطبعاً التأخير المحتمل… المهم في اليوم المتفق عليه وقبل موعدنا بساعة اتصلت بشركة التاكسي الأبيض وجاء السائق في ميعاده (بمعجزة والله يا آنسة!) ونقدته في المشوار مبلغاً وقدره لألاقي “حازم بيك” أمام مبنى النقابة…. لماذا أمام المبنى وليس بالداخل؟؟؟ لا أعرف، فلا تسأليني واتركيني أحكي لك القصة كلها. 

المهم… وجدته واقفاً هناك. أقسم بالله وحب الوالدين والوطن أنه رآني أنزل من التاكسي وأدفع للسائق الأجرة ولم يمنعه هذا من اصطناع المفاجأة عندما رآني أسير نحوه بعد أن تأكد أن عربة التاكسي قد انطلقت… سلم علي بحرارة وقال هيا بنا… إلى أين؟؟؟ سنتمشى قليلاً… كنت أفكر كيف سأمشي بهذا الحذاء العالي الكعب ولكني سكتت. ومشينا ومشينا ومشينا… وصعدنا كوبري المشاه وطبعاً وأنا أصعد سلالم الكوبري تكونت تحته مظاهرة صغيرة من الصبية المستثارين من رؤية سيقاني، فتمسّكت بذيل الفستان أحكمه حول ساقي وكان شكلي يبكي الحجر والله وأنا أتقافز فأكاد أقع على وجهي بهذا الكعب العالي… المهم… وصلنا قرب بوابة فندق هيلتون رمسيس… قلت أنا هلكت وأريد أن أجلس… آه على فكرة هو لم ينطق بكلمة خلال نصف ساعة هي رحلة المشي والصعود والهبوط، وإن كان قد حاول أن يمسك بيدي مرة فوق كوبري المشاه فنظرت إليه فسحبها بسرعة!!!

المهم… وصلنا لبوابة الفندق فوقفت وتابع هو السير عدة خطوات ثم توقف واستدار متسائلاً إذا كنت أرغب في الجلوس في مقهى الفندق فقلت “أكيد أنا رجلي غير قادرة على حملي” فدخلنا الكافتيريا وقادتنا فتاة صارمة الملامح تعمل هناك إلى طاولة في منصف الكافتيريا بالضبط ثم تركتنا قائلة أنها ستجلب قائمة الطعام فقاطعها بهلع قائلاً أنه سيتناول فنجاناً من القهوة فقط ثم نظر إلي بعينيه الخضراوين وقال أنه تناول غداءه متأخراً فقلت بيأس “وأنا كذلك”، مع أني كنت أتضور جوعاً… المهم… اطمأن أخينا على فلوسه فتنهد وقال أنه مسرور لأننا التقينا وأنه منذ رآني مع مجموعة التدريب السنة الماضية وهو قد عقد العزم على أن نجلس ليحدثني عن “الذي يجول بتفكيره!”… وإليك يا صديقة عمري عصارة تجوال أفكاره!!… هو وفدي ولكن من الطليعة الوفدية، “يعني أقرب ليسار الوسط”… هكذا قال… ترك أهله في الريف منذ سنوات طويلة طويلة ثم قرر مقاطعتهم للأبد عندما ذهب في زيارة إلى هناك في عيد الأضحى الماضي فوجد أباه يذبح خروفاً… توقف عن الكلام هنا ثم ظل يعبث بشعره الكستنائي الناعم المفروق بحدة على الجانب الأيسر لرأسه… نظرت إليه منتظرة المزيد… فلم أفهم علاقة الطليعة الوفدية بخروف العيد، ولما يئست من عودته للكلام قررت أمراً… كانت الفتاة الصارمة الوجه قد أحضرت صينية القهوة، وعندما وضعت فنجاني أمامي بالضبط قررت ألا ألمسها وأن أترك الفتاة تبتعد عدة خطوات… ثم أناديها لترجع. عادت فقلت لها أن القهوة لم تعجبني فحملتها المسكينة وهي تنظر إلي بتعجب، إذ كيف لم تعجبني القهوة وأنا لم أذقها!!! لم أهتم لنظراتها ونظرت إليه… آه لو شاهدتيه مفزوعاً تكاد عيناه أن تخرجان من محجريهما وهو يرى القهوة عائدة وهو طبعاً من سيدفع ثمنها… تجمد في مقعده، فقمت فجأة وقلت أنني لابد أن أغادر حالاً لأن ماما في المستشفى بين الحياة والموت، وطبعاً استغفرت في سري وقلت بعد الشر عنك يا ماما ثم ركضت مثل خيل السباق للخارج… ثم أشرت لأول سيارة أجرة وعلى بيتنا عدل…

أما المأفون الآخر “عبد الله”… يا الله… لم أمقت مخلوقاً كما مقتّ هذا الشخص… والله والله كنت على استعداد أن ابلعه… بلغت الثامنة والعشرين ولم أضم بين ذراعي الجميلتين هاتين رجلاً أحبه ويحبني… زهقت وضقت من فيلم النار تحت الرماد بعرضه المستمر هذا… المهم… قابلت المذكور – في ليلة ظلماء بلا ضوء قمر- لدى زميلة لي تزوجت حديثاً وتصادف أن المذكور كان هناك يزور زوجها – صديقه الحميم – الحق أقول لك يا حبيبتي نفرت منه منذ اللحظة الأولى لسبب لا أعرفه، وازداد النفورعندما عرفت أن اللقاء كان مدبراً من زميلتي وصديقه ولكنني قلت لنفسي أن الانطباعات الأولية قد تخيب وقد تصيب… المهم… بعد يومين من اللقاء الأول اتصل بي أخينا، هذا إذ كانت زميلتي البلهاء تلك قد أعطته رقم هاتفي دون أن تستأذنني، ثم… ألو… وأهلاً… وأين… واتفقنا ووجدت نفسي أوافق على مقابلته على باب الوزارة بعد انتهاء العمل. 

المهم… دعاني أخينا للغداء في مطعم مظلم في فندق كئيب بشارع غريب متفرع من شارع عجيب متفرع من شارع ثالث في وسط البلد… رحب بنا الجارسون وكان رجلاً خمسينياً ذو كرش كبير يكاد يقفز من بين أزرار جاكتته السوداء وقال له أن ذوقه عالٍ في إشارة وقحة ليّ… المهم طلب المأفون “الغداء المعتاد يا مصطفى ولكن لشخصين هذه المرّة”… فغاب مصطفى قليلاً ثم عاد بزجاجتي بيرة… حوقلت وأمرت النادل ذو الكرش الكبير أن يرفع الزجاجة التي وضعها أمامي وأن يأتي لي بكوب من عصير البرتقال ففعل وانتظرنا الغداء بينما المأفون يصب حشاشة قلبه أمامي على الطاولة أطناناً من الأحكام المسبقة… 
اسمعي يا صديقتي… أحبته زميلتي التي هي زوجة صديقه الصدوق – تلك التي كنا في زيارتهما من قبل!!! – هكذا قال وأكثر… فهي كانت له قبل أن تكون لصديقه. قال هذا وأنا أتناول قطعة خبز من سلة الخبز التي وضعها النادل، فعلقت لقمة الخبز في حلقي فتجرعت كل كوب العصير حتى أستطيع ابتلاعها…

المهم… فتح عليه ربه بفيضان هراء وكنت قد توقفت تماماً عن الأكل إذ ضرب معدتي ألم فجائي فانقفلت نفسي وكدت أتقيأ وهو يصف لي كيف كانت زميلتي التي هي زوجة صاحبه تجلس هاهنا – ونقر على الطاولة بإصبعه الطويلة الرفيعة الشديدة البياض ورسم ابتسامة على شفتيه الرفيعتين أرادها ماكرة إذ شفعها بغمزة من عينه اليسرى من وراء نظارته كعب الكباية – ثم عاد بظهره للوراء وأغمض عينيه وقال أنه قرر أنها ليست الشخص الذي يكمل معه حياته لأنه كان وقتها- وهو معها يعني – قد أشعل سيجارة… ثم فتح عينيه وأشعل واحدة فعلاً مستخدماً كبريتاً أخرجه من جيب جاكيت بذلته، ثم أخذ نفساً عميقاً وقال أنه أعطاها علبة الكبريت التي كان قد أشعل بها السيجارة، فوضعته في حقيبتها هكذا – وطرقع بإصبعيه الرفيعتين الطويلتين الشديدتا البياض – ثم أضاف أنها بدون قلب…. كنت أتابع هذه الدراما وفجأة مد إلىّ يده بعلبة الكبريت مبتسماً ابتسامة ذات معنى… فأخذتها منه بكل هدوء وفتحتها ثم مددت يدي باتجاهه لأخذ زجاجة البيرة من أمامه وصببت بعضاً منها بداخل علبة الكبريت ثم نظرت إليه متحدية وقلت وأنا أشير لعلبة الكبريت الغارقة في البيرة “إليك حكاية جديدة تحكيها للغبية التالية التي سوف تكذب معدتها وتصدق أن حباً يمكن أن….” ثم سكتت عن الباقي وخرجت بعد أن ضربت الطاولة بكفي لتنقلب باقي زجاجة البيرة على بنطاله.

أما “سامح” فحدثي عنه ولا حرج… شاب لطيف جميل الشكل ومسلٍ للغاية يجعلني أضحك كثيراً ولكنه يا هدى حمار بآذان طويلة لا يعرف الألف من كوز الذرة. هل حدثتك عنه من قبل؟؟؟ لا… لا أظن… فالولد خفيف جداً لا يقرأ حتى الجريدة ولا أظن أنه فتح كتاباً بعد تخرجه من الجامعة. لا أظن أنه حتى قرأ كتب الدراسة فمعلوماته عن أي موضوع لا تزيد عن معلومات قطتك السيامية هذه. اقول لك الحق يا هدى أنا أعجبني “سامح” لأنه مرح وطيب ولأنه وسيم وجسمه رياضي ولأن له ذلك الشيء الذي لا تخطيء عيناك حجمه… المهم… مصيبة هذا الولد إنه أحبني جداً وكان يظهر غيرته واهتمامه بطرق طفولية جعلتني أضحك منه وأشفق عليه ولكنني قررت أن أقطع حبل الود عندما طلبت منه اصطحابي لمعرض الكتاب الفائت فنظر إلي كمن ينظر إلى عفريت وصاح سائلاً إذا ما كنت من أولئك المتقعرين الذين يقرأون ويشاهدون الباليه ثم ضحك ضحكته البلهاء وقال أنه يعرف أنني لست كذلك فقلت له أنني ذلك نفسه…
المهم يا هدى… هدى… هدي، ماهذا يا هدى؟أوف… نمتٍ؟ وأنا التي ألفت مسرحية وأخرجتها ونفذتها حتى ترضى أمي أن أقضي الليلة عندك!!! حسناً الصباح رباح وسأحكي لك غداً عن مختار وعلي…

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: