عام

كُسير وعُوير وثالثٌ مافيه خير (عن أهوال الأحوال!)

By أغسطس 20, 2019 No Comments

هبة حسن

تقول الحكاية القديمة عن جحا المصري: يحكى أن ملكاً كان لديه حماراً عزيزاً عليه، رغب الملك في تعليم حماره القراءة والكتابة وكان قد وضع شرطاً مجحفاً ومكافأة مجزية: المكافأة هي الزواج من ابنته الجميلة والتمتع بحكم المملكة من بعده أما الشرط فهو أنه إذا لم يتعلم حماره فسوف يقطع رقبة المعلم بالسيف… خاف كل وجهاء المملكة ورفضوا الاضطلاع بالمهمة ولكن قبلها جحا بحفاوة شديدة ظنها الجميع مؤشراً على عبطه أو سذاجته… ذهب جحا إلى الملك وأبلغه استعداده لتعليم الحمار القراءة والكتابة على شرط أن يمنحه الملك 10 سنوات كاملات يسكنه فيها قصراً فسيحاً ويجري له راتباً معلوماً وأن يترك له الحمار ولا يحاول حتى السؤال عنه على أن يلاقيه بعد السنوات العشر بالتمام والكمال… وعندما لام الأهل والأصدقاء جحا على قبول هذه المهمة الانتحارية متهمينه بالحمق، قال لهم مبتسماً: اهدأوا بالاً ولا تقلقوا… يعطينا ربنا ويعطيكم العمر، في هذه السنوات العشر إما سيموت الحمار أو يموت الملك أو أموت أنا… هناك نهاية أخرى لهذه القصة وهي أن جحا كان قد اشترى نظارات طبية للحمار وصنع كتاباً ضخماً من مادة قوية، ثم وضع بين وريقاته أعواد برسيم ودرب الحمار على تقليب الصفحات حتى يحصل على العيدان الغضة، وبعد مدة طالت أو قصرت ذهب جحا بالحمار إلى الملك ووقف بين يديه ممسكا بالكتاب بعد أن وضع النظارات الطبية على عيني الحمار الذي طفق يقلب وريقات الكتاب ويتناول البرسيم وينهق عالياً مستمتعاً بالوجبة “الثقافية” مما أثار دهشة الملك وشعبه من قدرة جحا الفذة على تعليم الحمار (قراءة) صفحات الكتاب… 

دائماً أتذكر هذه الحكاية في كل مرّة أتأمل الأحوال في مصر المحروسة (وإلى حد معتبر في المنطقة حيث تعتبر مصر مؤشراً لارتفاع أحواله وانخفاضها) فالكائن (القاعد-الجالس) على حافة الأزمات متأملاً دارساً سيجد أن هناك خيطاً رفيعاً يلمها جميعاً اسمه “تأجيل الحل أو التسويف” ومقابله في حكاية جحا النهاية الأولي أو “تجميل المشكلة أو التعمية عليها” ومقابله في الحكاية النهاية الثانية…

كنت أشد الناس إيماناً بأن كل المشكلات في مصر منبعها اعتوار العملية التعليمية وأن مبتدأ الحل لها جميعاً سرّه التعليم، فبالتعليم ستسقيم الأمور وينتهي الفقر وتختفي الأمراض… لست وحدي في هذا الاعتقاد فقد سبقني إليه آلاف المتنورين والمتنورات ممن يعتقدون وتعتقدن في هذا الأمر، والأستاذ الدكتور طه حسين هو رئيس هذا الفريق في العصر الحديث بدون منازع، ولكنني بدأت مؤخراً في التشكك بهذا الأمر ومن ثم إعادة النظر في هذا المعتقد نظراً لتعقيد شبكة المسئولين عن التعليم من ناحية وتوغل هذه الشبكة داخل النسيج المجتمعي من ناحية أخرى، ليس فقط لأن الفساد قد نخر في منظومة التعليم ولكن (وبالأخص) للاختلاف الشديد الذي أتت به الألفية الثالثة في النظر إلى كل شيء… فهذه الألفية التي نعيشها والتي يستطيع فيها الفرد منا طباعة وجبة يأكلها أو أداة يستخدمها من طابعة ثلاثية الأبعاد في أحد أركان منزله بالتأكيد ستختلف فيها فلسفات المشكلات وأساليب علاجها… ومنها – بل وأكبرها – العملية التعليمية… فالتعليم الآن لن يكون منوطاً فقط بالجهاز التنفيذي المختص (وزارة التربية والتعليم وإداراتها) ولكن هناك جهاز الإعلام وفضاء شبكات التواصل الاجتماعي والأهم (والأخطر) طبعاً المؤسسة الدينية متمثلة في الأزهر والمؤسسات الرسمية والجمعيات الدعوية وجماعات الإسلام السياسي وجميعها ترسل رسائلها الشائهة الملتبسة… وطبعاً هناك الحالة الاقتصادية التي تصنع الأرضية التي تتلاقى وتتلاقح عليها كل هذه العناصر المؤثرة. يبدو الأمر وكأنه مشهد عبثي اختلطت عناصره… وهو كذلك!

هناك ثلاثة أمور (ضمن أخرى عديدة) تخيفني على مستقبل مصر نظراً لقوة تغلغلها في المجتمع مع عدم الالتفات إلى خطورتها إما لجهل بها أو لتجاهل مقصود: أول هذه الأمثلة هو التسليم بالواقع الخاطئ وقبوله على علاته، وثانيها هو احتكار الصواب وإقصاء المخالفين وثالثة الأثافي هي غياب العقلية العلمية وانعدام المعايير الضابطة…. الأمر المعضل هو أن هذه المفاهيم-الأمثلة لها جذور في الديانة الإسلامية التي تقول باتباع النقل ونبذ العقل أو على الأقل في الشروح التي يأتينا بها المفسرين وأصحاب الفتاوى. سأسوق أمثلة ثلاثة لتبيان مقصدي:

المثال الأول: التسليم بالواقع الخاطئ وقبوله… بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر العام 2013 واتضاح فاشية هذه الجماعة أمام غالبية شرائح المجتمع المصري – وبالذات أولئك الذين يتميزون برقة الوعي أو قلته – بشكل توضّح لهذه الشرائح أن “الجماعة” هي كيان سياسي بالأساس فضلاً عن فساد هذا الكيان من المنظور الوطني نظراً لشعوبيته ولخطورة الآليات التي يتبعها… يخرج علينا جهابذة الإعلام يومياً بمفهوم يعلكونه ويزيدون فيه حتى أنني أخشى أنه قد أتى أكله وفعل فعله. المفهوم الذي أقصده هو في منطوق عبارة بسيطة يرددها جهابذة الإعلام ومن يستضيفونهم… وهي أن “الإخوان المسلمون تلقوا صفعة قاسية لن تقوم لهم قائمة بعدها إلا بعد نصف قرن”… المعضل هنا هو أن هناك حكم قضائي كان قد صدر العام الماضي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة “إرهابية” في مصر بينما الخطاب الإعلامي الملتبس يطلق الرصاص على هذا الحكم القضائي ويمنح قبلة الحياة لهذه الجماعة التي يعتبرها القانون ويعتبرها المجتمع إرهابية بالتحدث عنها بشكل عادي وكأن وجودهم أمر مفروغ منه ولا خلاص لنا منهم. 

المثال الثاني: احتكار الصواب وعدم احتمال المعارضة وإقصاء المخالفين… من يتابع صفحتي على الفيسبوك سيرى أنني أتابع عدداً قليلاً جداً من قادة الرأي ممن أحمل لهم تقديراً لعلمهم وخبرتهم كل في مجاله. أحدهم مسئول في واحدة من كبريات الدور الصحفية وجدته يردد كلاماً مكرراً لا فائدة منه ولا جديد فيه، من صنف “هذا عمل إرهابي خسيس” تعقيباً على حادث التفجير الأخير في سيناء والذي أودى بحياة 38 مجنداً في الجيش المصري… اتهمني هذا المسؤول بالتفاهة وانعدام العقل لأنني عقبت على منشوره الخاوي من أي جديد بعبارة “يا راجل! صحيح؟”… وطبعاً كان نصيبي الطرد من جنة متابعته… هذه الروحية الشوفينية التي تتوقع فقط التهليل والموافقة والتسبيح بالحمد ولا تحتمل اعتراض أو سخرية حميدة تتوخى أدب الحوار وترفض التكرار والخواء… هذه الذهنية هي صنو لأسلوب فقهاء الإسلام الذين يرفضون الحوار بمنتهى العنف ولا يتحملون مجرد السؤال ناهيكم عن المعارضة!!!

ثالثاً: غياب العقلية العلمية وانعدام المعايير الضابطة… أقصد بالعقلية العلمية تلك التي ترفض القبول بالمسلمات وخاصة تلك المتداولة غابر عن غابر، أما عن المعايير الضابطة فتتعلق بتحديد كنه مواد الحوار وتعريف مفاهيمها والالتزام بتلك المعايير بحيث يكون الحوار (أي حوار) بناء ويسير في طريق صاعد… أما ما يحدث غالباً فهو فوضي كلامية يغلب عليها الانفعالية والصوت العالي أو السباب… أتذكر أنني كنت قد فتحت نقاشاً حول نقد العقلية الإسلامية فأتتني تعليقات هجومية عن المسيحية واليهودية والهندوسية، أيضاً كنت قد تساءلت ذات مرّة ألا يعتبر ما فعله جمال عبد الناصر عند ترحيل النوبيين قصرياً من بيوتهم بما نتج عنه موت كل الأطفال المولودين بين عامي 1960 و1962 (وهو أمر موثق) في النوبة وأسوان هو تطهير عرقي وجريمة لا تسقط بالتقادم فأتتني ردود أقلها: ألا ترين ما يحدث في المكسيك؟ وتنوعت باقيها بين مشكك في نواياي ومدافع عن وطنية ناصر… 

وعودة للمشكلات الجوهرية ومبتدأ الحل في مجتمع شديد الكثافة السكانية، شديد القدم من أهم مظاهره انتشار الأمية الأبجدية والأمية المعرفية… وإذا لم يكن الحل في إصلاح العملية التعليمية لتعقيد هذا المنحى فما هو الحل وكيف نبدأ؟… أعتقد أن كلمة السر هي “العلمانية”… يجب أن يتبنى دستور البلاد العلمانية وأن ننبذ عبارة “دين الدولة الإسلام” من مواد الدستور. يجب أن يتوقف الإعلام فوراً عن استضافة “رجال الدين” لسؤالهم بمناسبة وبغير مناسبة عن أمور تم حسمها قطعاً منذ عشرات السنين ويجب أن يتوقفوا عن سؤالهم عن موقف الدين من العلم… رجال الدين (أي دين) سيتطوعون بكل هذه الأمور على أية حال، ولكن استضافتهم والاسئناس بآرائهم على شاشات التلفزة التي تدخل كل البيوت يرسل رسائل ملتبسة لجمهور أغلبه رقيق الوعي قليل الثقافة. كما يجب أن تتوقف – وللأبد – ثقافة التطبيل وعدم احتمال المعارضة وتوقع التسبيح والحمد لأنها ثقافة شوفينية تهدم ولا تبني. 

التقدم العلمي يحدث أمام أعيننا بسرعة فائقة ونحن معلقون بأهدابه لأننا نستهلك منتجاته بداية بالفيسبوك مروراً بالطابعات ثلاثية الأبعاد والحبل على الجرار… وإذا لم نعترف بأن حالنا في منتهى الكآبة وإذا لم ننفض ركام قرون “النقل” عن عقولنا فقل على مصر السلام ربما للألف سنة القادمة بعدما يكون الإخوان المسلمون قد استردوا عافيتهم في نصف القرن القادم كما توقع جهابذة الإعلام.

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: