عام

حذف المادة الثانية من الدستور المصري

By أكتوبر 6, 2019 No Comments

كمال غبريال

إذا اتفقنا أن النظام السياسي لأي دولة وشعب هو القاطرة التي تقود البلاد وتوجه مسيرتها، وأن الدستور هو الميثاق الذي يحدد الخطوط العريضة لهذه المسيرة، فليس من قبيل المبالغة أن نقول أن مسيرة مصر السياسية والحضارية، ستظل مرتهنة بالإشكاليات التي تثيرها المادة الثانية من الدستور بوضعها الحالي في دستور 1971، والتي تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”. . فالدولة التي يحدد الدستور لها ديناً (أي دين) هي دولة دينية، وليست دولة حديثة معاصرة، وهذا وحده كفيل بوضع حاجز يحول بين مصر والاندماج في العصر والالتحاق بفاعلية بمسيرته الحضارية، ستكون هكذا دولة متحفية تنتمي للتاريخ، عاجزة عن فهم الحاضر والتفاعل الإيجابي معه، وليس أمامها سوى الصدام لتحطم وتتحطم، وربما تكون أشبه بعملة قديمة كانت في زمانها عالية القيمة، لكنها الآن غير قابلة للصرف.
تتغير محمولات المفاهيم بتغير العصور، لذا لا يخفف من تأثير هذا النص على وضع الدولة وتصنيفها المحاولات الكلامية للهروب من مفهومه المعاصر، الذي صار الآن على ضوء شيوع تيار الإسلام السياسي حاسماً في التفريق بين بمفهوم دولة الإسلام وبين المفهوم العصري للدولة، فلقد اشتمل دستور 1923 نتاج ثورة 1919 على النص على أن”دين الدولة الإسلام”، لكن هذا كان قبل خمس سنوات من تشكيل جماعة الإخوان المسلمين، وقبل أن يتسيد فكرها الساحة أو يتعرف عليه العالم بعدة عقود، ولم يثر النص وقتها قليلاً أو كثيراً من اللغط أو حتى الاهتمام، بدليل تأخر ترتيب المادة التي تضمنته بين مواد الدستور، فجاءت في المادة رقم (149)، وقد فُهم وقتها باعتباره “تحصيل حاصل”، على أساس أنه يشير إلى أن “الإسلام دين غالبية المواطنين”، وقد ظل الوضع على هذا الحال لعدة عقود، حتى بدأ السادات في التلاعب بورقة الإسلام السياسي، ليواجه به الأيديولوجية والكوادر الناصرية المسيطرة وقتها (وحتى اليوم) على الساحة السياسية والثقافية.
من هنا بدأ مصطلح المادة الثانية من دستور السادات يأخذ محتوى جديداً، يتفق مع حرفية المعنى اللغوي والحرفي للنص، هذا رغم لا منطقية المعنى، حيث أن الدولة الحديثة ما هي إلا مؤسسات تدير مصالح المواطنين وفق لوائح وقوانين تكفل العدالة والانضباط، أو كما يقال شخصية اعتبارية، لا تحاسب في الآخرة ولا تدخل الجنة أو النار، بل يحاسب منتسبوها على ما جنت أيديهم، وعلى مدى إتقانهم وإخلاصهم في أداء عملهم، كما يحاسبون بالطبع على إلتزامهم بتعاليم دينهم وفروضه.
هو السادات الذي أعلن في خطبة عصماء أنه “رئيس مسلم لدولة إسلامية”، وخلع عن نفسه رداء “الرئيس المصري لدولة مصرية”، رغم أنه هو الذي أعاد لمصر اسمها وهويتها المصرية التي أضاعها عبد الناصر في سعيه لتأسيس “جمهورية عربية متحدة”، أو إمبراطورية عربية تليق بقدرات الزعيم الخطابية غير المسبوقة!!. . من هنا بالتحديد بدأ الخلط والاختلاط بين الدين والدولة، بين انتماء المصريين لوطنهم ودولتهم وانتمائهم لأمة إسلامية تحكمها خلافة إسلامية هي كل الأمل، وكأن السادات استعاد اسم مصر وهويتها من الضياع ليس لكي يعيد إحياءها في القلوب والعقول، ولكن لكي يسدد لها خنجراً يرديها صريعة، ليبدأ بالفعل تسارع انزلاق الهوية المصرية نحو الضياع، لنصل إلى تجرؤ قيادة إسلامية كبيرة على القول “طظ في مصر”، لا نحاسب هنا على حرفية التعبير الذي يبدو عفوياً وغير مقصود به إهانة، بقدر ما ينم عن خلفية صدر عنها، تتجاهل الانتماء المصري لصالح انتماء ديني يعطي أفضلية للمسلم الماليزي على شريك الوطن غير المسلم!!
الأمر الآن حيال نص “دين الدولة الإسلام” يأخذ منحى ويكتسب محتوى أكثر خطورة من كل ما سبق، فلدينا في موقع السلطة التشريعية (والتنفيذية قريباً) من يريدون أن يذهبوا في تفعيل النص إلى حدوده القصوى، ولم يعد ما يقال عما يؤدي إليه هذا النص من الانفصال بين المواطن المصري وهويته الوطنية مجرد اتهام يسارع بنفيه من يوجه لهم، لكنه صار خطراً حالاً وماثلاً، مع بروز حلم الخلافة الإسلامية، وكأنه المصير الذي تقودنا إليه الثورة المصرية، خاصة مع ما تشهده المنطقة من “ربيع عربي” يتجه ليكون “صيفاً إسلامياً” ساخناً!!
نفس حراك المفاهيم وانزياحها حدث مع العلاقة بين الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية الحاكمة للعلاقات بين المواطنين المشمولين برعاية الدولة المصرية، حيث كان المفهوم السائد هو عدم وجود إشكالية في هذه العلاقة، فقوانين الأحوال الشخصية والميراث، وهي ما يدخل ضمن مهام الدولة من حيث التنظيم والحماية متطابقة مع الأحكام الشرعية في الفقه الإسلامي السني، وسائر القوانين الحاكمة للحياة المصرية بعامة تتفق مع المقاصد العليا ليس للشريعة الإسلامية وحدها، بل أيضاً مع جميع الشرائع الدينية المعروفة، ومع مواثيق حقوق الإنسان، وعلى هذا النحو لم يكن هناك ثمة إشكالية حقيقية في وجود نص بعلاقة بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية، فهذه العلاقة موجودة بالفعل، قبل أن ينص عليها دستور، فجذرها في الحقيقة أقوى من أي دستور، فالإيمان التاريخي للإنسان المصري يقوده تلقائياً لاتباع وسن القوانين التي تتفق ولا تتعارض مع إيمانه، بحيث يعد النص على أن “الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع” الذي أدخله السادات في دستور 1971 أيضاً من قبيل تحصيل الحاصل.
هو تيار الإسلام السياسي الذي دفع بمفاهيم تلك النصوص نحو أبعاد إشكالية، واتخذ منها شعارات تظهره أمام العامة والسلماء وكأنه جاء ليؤسس للإسلام في مصر، بل وتمادى بعض قادته إلى حد الحديث عن “فتح مصر”، كأن جميع من كانوا على أرض مصر قبل تمكن الإخوان لم يكونوا مسلمين، وجميع الموجودين الآن من غير أعضاء الجماعة بحاجة لمن يدعوهم للإسلام!!
الآن وفي ظل هذه البيئة المحتقنة بفعل دعايات الإسلام السياسي، والذي يتضح للجميع أن رموزه طلاب دنيا وسلطة وليسوا بأي حال طلاب دين وتقوى، لا يمكننا الركون إلى محاولة العودة للمحتويات الأولية والمنطقية لما ورد بالمادة الثانية من الدستور المصري من مفاهيم ومصطلحات فضفاضة، تتيح لكل صاحب غرض الانحراف بمحمولاتها أو مضامينها، لتؤدي لأكثر من نتيجة ضارة إن لم تكن مدمرة لحاضر مصر ومستقبلها:
أولها إضعاف الولاء للوطن وإثارة الضباب والاختلاط حول هويته، لصالح هوية دينية عالمية، مضادة لروح العصر وما يسوده من مفاهيم وطنية وإنسانية عالمية.
ثانيها الانفصال بالدولة المصرية وقوانينها عن سائر دول العالم الحر والمتقدم، بما يقوم حائلاً بين أي تطور لإقتصادنا وحياتنا في عصر العولمة، حيث تتقدم وتزهر الشعوب معاً وكأنها تركب قطاراً واحداً، ويعد الانفصال عن هذا القطار بمثابة سقوط من عربة الزمن وحضارته.
ثالثاً ما سوف يصيب الحياة المصرية بكافة مجالاتها من عقم، إذا ما تم باسم الشريعة الإسلامية استيراد قوانين سنها فقهاء من عصور ماضية، وكانت تتفق مع زمانهم، لكنها الآن لا تصلح لنا ولظروفنا البعيدة عن تلك العصور زمانياً، والمختلفة تماماً حضارياً.
رابعاً الخلط بين العام والخاص، فنسبة الدولة للدين (أي دين) يوسع من سلطات الدولة، بما يؤدي للخلط بين الحياة العامة التي تتولى الدولة تنظيمها، وبين الحياة الخاصة التي يتولى فيها الدين تشكيل مكونات الضمير، وفق المثاليات التي تحث الأديان الناس على الالتزام بها، وذلك في مجالات أغلبها تدخل ضمن نطاق حرية اختيار الإنسان، ولا شأن للدولة بها، وإلا تحولت إلى أداة قهر وتدمير لإنسانية الإنسان، واستبدال عمل الضمير بالرهبة من سوط الحاكم وسيفه.
الحل الآن على ضوء ما يثيرونه من ضوضاء ومتاجرة بالمشاعر الدينية لشعب طيب، هو واحد من اقتراحين، أولهما إلغاء المادة الثانية تماماً من الدستور، ولا نظن أن هذا الإلغاء يمكن أن يؤثر ولو بقدر قلامة ظفر على الحالة الدينية للشعب المصري المصري عميق التدين، فالدستور لا يحمي الدين، وإن كان الدين هو الذي بقوة تغلغله وتأثيره في القلوب والعقول الذي يحمي الدساتير والأخلاق وسائر أركان الحياة في مصر!!
الاقتراح التاني هو تعديل المادة الثانية، بنص يعود بها للمفاهيم الأولى الأصيلة وغير المختلف عليها، فلا تعود النصوص فضفاضة تحتمل التضخيم والتطرف والمزايدة التي لا تبغي في حقيقتها صالح دنيا أو دين، ويمكن أن تكون المادة المعدلة كالتالي:
“مصر دولة علمانية أغلبية مواطنيها يدينون بالإسلام، واللغة العربية هي اللغة الرسمية، والمقاصد العليا للشرائع الدينية ومواثيق حقوق الإنسان العالمية، وتحقيق مصالح الوطن والمواطنين هي مرجعيات التشريع”.
إن لم يكن الصيغة التالية:
” مصر دولة علمانية تحمي حرية الفكر والعقيدة دون تدخل منها سلباً أو إيجاباً في معتقدات المواطنين، ومصلحة المواطن ومواثيق حقوق الإنسان العالمية جزء أساسي من دستورها ومحور تشريعاتها.”
في أي من هذين الحلين المقترحين مخرج لمصر من الجدل والورطة الوطنية الحالية، وإلا سندخل إلى نفق مظلم لا نعلم إلى أين يمكن أن يصل بنا.

أعجبك المقال؟ نَحتاج لدعمك لنا على باتريون !

شَارك بـ رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: